أحمد ابراهيم الهواري
47
من تاريخ الطب الإسلامي
يقول پونيون Pognon ( وكان قنصلا لفرنسا بحلب وقد طبع عام 1903 المتن السرياني لأحد مولفات بقراط مع ترجمته في ليپزك ) : إن التراجم السريانية غامضة ومعقدة وهي تراجم لفظية لدرجة أن معاني بعض الجمل لا تفهم ، وأن تركيب الجمل والعبارات فيها مشوش ، ومفردات اللغة مستعملة لغير ما وضعت له من المعاني . وسبب ذلك أن المترجمين كانوا يجتهدون في أن تكون ترجمتهم صادقة ومطابقة للأصل على قدر الإمكان ، ولذلك كانوا عندما يواجهون جملة صعبة يكتفون بوضع الترجمة اللفظية للكلمات اليونانية مكان الكلمات الأصلية دون أن يفكروا في معنى العبارة كلها ، وإن جهلوا معنى الكلمة اليونانية اكتفوا بكتابتها عينا بالحروف السريانية ؛ لذلك كله ترى في تلك التراجم كثيرا من العبارات غير الصحيحة والجمل غير المفهومة . إن هذا العيب يصدق إلى حد ما على بعض هذه التراجم ولا سيما الكتب التي ترجمت في مبدأ تعرف المسلمين على فلسفة اليونان وعلومهم ، فقد كان لهذه التراجم نواقص كثيرة من وجهة فن الترجمة ، ولذلك كثيرا ما نرى ابن النديم يقول في الفهرست : ( قام بترجمة الكتاب فلان وأصلحه فلان ) . وكان من أسباب نقص هذه التراجم نقص اللغة السريانية نفسها وضيق أفقها بالنسبة للغة اليونانية ، التي تعتبر من أغنى لغات العالم وأوسعها دائرة ، وقد كانت لغة الخطاب والتأليف قرونا عدة ألف بها أمثال هوميروس وأشيل ، وتوسيد يد ، وديموستن ، وبقراط ، وأفلاطون ، وأرسطو ، وغيرهم . ومن أسباب نقص هذه التراجم غير ما ذكرنا عدم وجود مصطلحات علمية وفلسفية لدى السريان ، أو عدم معرفة مترجمى الحقبة الأولى منهم بتلك المصطلحات . ومن البديهي أنه عندما ترجمت هذه الكتب المترجمة مع ما فيها من العيوب والنقائص التي يشير إليها يونيون إلى اللغة العربية ازدادت عن أصلها بعدا وأضيفت إلى غموض الترجمة وإبهامها الشئ الكثير وأصبحت استفادة الطب منها من أصعب المشكلات . يقول الشيخ الرئيس ابن سينا في ترجمة حياته التي أملاها على تلميذه أبى عبيد عبد الواحد بن محمد الفقيه الجرجاني ( 1 ) : ( وقرأت كتاب ما بعد الطبيعة فما كنت أفهم ما فيه والتبس علىّ غرض واضعه حتى أعدت قراءته أربعين مرة وصار لي محفوظا وأنا مع ذلك لا أفهمه ولا أعرف المقصود به ، وأيست من نفسي وقلت : هذا الكتاب لا سبيل إلى فهمه ، فإذا أنا في يوم من الأيام حضرت وقت العصر